سفينة الحمقى
عذرا أبناء جلدتي إن عجزتُ الآن عن التعبير عما يختلج في أعماقي ، غير أني حاولت بهذه الكلمات ، أن اتحدث بإيجاز عما أشعر به ، وما أُعانيه أنا وأفراد آخرين من أبناء هذا الوطن ، كان أملهم الوحيد ، الوصول إلى المدينة الفاضلة ، أو إلى جزيرة الأحلام التي رسموها في مُخيلتهم ، و التي طالما تمنوا العيش فيها ، جزيرة يسودها العدل والتسامح والاحترام المتبادل ، وينتشر فيها العلم النافع والمعرفة الحقيقية ، ويُبذل العطاء في كل ارجائها ، جميع أفرادها يعملون في وئام وسلام ، هدفهم التنمية المستدامة ، و الرفاه للمجتمع ككل دون استثناء ، لكن ما أراه وأسمعه اليوم يؤلم كل قلب ينبض ، خاصة وأننا كنّا قد قطعنا مسافة ليست بالقصيرة بقيادة ربان كان يتصف بالعقلانية والتروي ، اتذكر حينها أننا جميعا كنّا على متن سفينة واحدة ، نود الابحار إلى شاطئ الأمان ، وفي يوم من الأيام تجمع المكرة و دبروا أمرهم وقضوا على ذلك الربان ، ثم اعتلوا قيادة السفينة ، وقاموا بتتويج واحد منهم ربانا ، ونصبوا انفسهم ملاحين لها ، لم يدرك غالبية الركاب أن أولئك مصابون بداء الحماقة والغباء ، أما الربان فكان أهوج ، متهور ، مشوه الجسم ، مسطح الفكر ، لا يرى أبعد من أنفه ، هكذا كان يتراء للبعض منّا ، كان علينا حينها ألا نثق به مهما بدا وديعا ، فبعد أن تقدم لقيادة السفينة ، وافق عليه الغالبية العظمى ، عن ايمان منهم ، وبملء ارادتهم ، في تلك الأثناء كانت أمواج البحر تتراقص بخفة ورشاقة ، كنُّا نرنو إلى الأفق البعيد ، ونحلم في شوق عميق في الوصول إلى جزيرة الأحلام ، و إلى غدٍ أفضل ، المهم في الأمر أن السفينة بدأت بالإبحار من جديد فغصنا في أعماق البحر ، وقطعنا مسافات طويلة ، لكننا لم نصل إلى حيث نريد ، بعدها هبت رياح قوية ، وكنّا جميعا نأمل أن تدفع هذه الرياح السفينة إلى حيث يجب أن تكون ، إلا أننا حِدنا على الطريق ، واستمرينا على الضلال ، فلم نزداد في السير إلا جهدا ، وعن القصد إلا بعدا ، تُهنا في أعماق البحر الهائج ، ساعتها أدرك الكثير منا أن الربان لا يجيد القيادة ، وأنه وملاحيه قد افسدوا كل شيء داخل السفينة ، وقد دل ذلك على أننا لم ندرك منذ البداية ، أن الصعوبة تكمن دائما في البداية ، لأن البداية هي التي ستحدد النهاية ، فالربان اضحى غير موفق في مهمته ، وفشل في ذلك فشلا ذريعا ، ثم فجأة دب الخلاف بين الربان و ملاحيه لأن كل واحد منهم يريد أن يسلك طريق خاص به ، وبالطريقة التي يريدها ، واتسع ذلك الخلاف حتى كادت السفينة تغرق ، والحكمة تقول : إذا كثر ملاحو السفينة لم يؤمن عليها من الغرق فإن سلم الركاب من الغرق لم يسلموا من المخاوف ، و أن الثقب الصغير يغرق السفينة الكبيرة ، فما كان منّا إلا أن نتحمل ما تفرضه الأقدار علينا ، وفجأة هدأت الأمواج واستكانت فستبشرنا خيرا ، ولم نكن ندرك أن البحر حين تهدأ أمواجه وتستكين ، فان ذلك يعني أن العاصفة قادمة لا محالة ، فتفاقم الأمر ، وتعذر على العقلاء استدراكه ، ووعر على الجميع تخليص الركاب من ذلك ، واستنقاذهم من المهالك ، عندئذ رأينا الفزع والخوف في عيون النساء والأطفال ، سمعنا العطشى ، والجياع واستغاثة الشيوخ والعجائز ولعنات الأفواه المكتومة ، خاصة والكثير منا لم يتعلم كيف يكون سباحا في بحرٍ عميق ، فبذلنا المستطاع فلم ننجح في ايجاد الحلول الممكنة لإنقاذ السفينة ومن عليها ، حاولنا أن نمد أجسامنا جسورا ليعبر الجميع بأمان ، لكن فاجأتنا أيادي الحمقاء والمغفلين محاولة اغراقنا في البحر ، والتخلص منّا ، فحاولنا التثبت والصمود ، وأثناء ذلك هلك منّا من هلك ، ونجا من نجا ، وكان غالبية الركاب في تلك اللحظة ، ينظرون إلينا بصمت دون أن يحركوا ساكناً ،وكأنهم ارتضوا لأنفسهم الهلاك ، فتألمنا لذلك كثيرا وأدركنا أننا لم نكن دقيقين في تشخيص الداء ، ولا بارعين في وصف الدواء ، خاصة و أننا كنّا نتعامل مع مجموعة من الحمقاء والمغفلين والمتهورين ، فأسِفنا على كيف دار الأمر ، و أين بلغت الغاية ، لكنني اليوم على يقين أن العواصف والأعاصير مهما استمرت فسوف تنتهي ، لأن الجواهر تصقل بالحك والإنسان يصقل بالضيقات ، وكذا فأن الذهب يصفى من الشوائب بواسطة النار المحرقة ، ولكن ما يحزنني هو أن البعض منّا مازال لديه ثقة في ذلك الربان وملاحيه ، متجاهلين المصير المشئوم الذي ينتظرهم ، والخوف كل الخوف أن تغرق السفينة في حمأة التعصب والتوتر والعناد والاستهتار واللامبالاة ، فما كان الأهوج والمتهور والحمقاء يوما بموصلي السفينة إلى شاطئ الأمان .ـــ
أ / هدى الضرعي
أ / هدى الضرعي
